مدونة ابـي مـقــــبــــل رضوان بن محمد الأثـــري

السلام عليكم ومرحبا بكم في مدونة ابي مقبل الأثري .....هنا تجدون كتاباتي في المواقع والمنتديات السلفية...ومقالات سلفية علمية...المرجو الا تبخلو علي بنصائحكم وتعليقاتكم

Saturday, September 23, 2006

بيان ان كل بدعة ضلالة للعلامة الهلالي

.
.
اعلم أن الإمام أبا إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي رحمة الله عليه ألف كتاباً سماه (( الاعتصام )) أقام فيه الحجج الدامغة و البراهين القاطعة على أن البدع – كلها – إذا كانت في الدين ضلالة ، و هي شر من أكبر الكبائر ، و بَيَّن انقسامها إلى إضافية و حقيقية و بين أن حكمها واحد ، فكل من قرأه و تمسك بعد ذلك ببدعة ، فلا يخلو : إما يكون جاهلاً بفهم معناه ، أو منافقاً يبغض ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم و يدعي الإسلام ، تستراً لأغراض دنيوية خسيسة ، و لا يتسع وقتي لنقل كثير منه و إنما أقتصر على قليل ، و لكنه كاف شاف لكل من كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد .
قال الشاطبي في الرد على القرافي و شيخه ابن عبد السلام اللذين زعما أن البدع تعتريها الأحكام الخمسة ( ج1،ص 147 ) فمثلا للواجب : بتدوين القرآن و الشرائع إذا خيف عليها الضياع ، و مثلا للندوب : بصلاة التراويح ، و مثلا للمكروه : بتخصيص الأيام الفاضلة بنوع من العبادة ، و مثلا للمباح : باتخاذ المناخل للدقيق .
قال الشاطبي في الرد عليها : (( و الجواب أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي ، بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع و لا من قواعده إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ، و لكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بـها أو المخير فيها ، فالجمع بين تلك الأشياء المبتدعة و بين الأدلة التي تدل على وجوبـها أو ندبـها أو إباحتها جمع بين متنافيين .
أما المكروه منها و المحرم فمسلم من جهة كونـها بدعة لا من جهة أخرى ، إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لإمكان أن يكون معصية كالقتل و السرقة و شرب الخمر و نحوها فلا بدعة يتصور فيها التقسيم البتة ، إلا الكراهية و التحريم حسبما ذكر في بابه ، فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع فصحيح . و ما قسمه فيها غير صحيح ، و من العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ، و مع معرفته بما يلزمه في خرق الإجماع ، و كأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخه من غير تأمل ، فإن ابن عبد السلام ظاهر منه أنه سمى المصالح المرسلة بدعاً ، لأنـها لم تدخل بأعيانـها تحت النصوص المعينة ، و لكنها تلائم قواعد الشرع . فمن هنالك جعل القواعد هي الدالة على استحسانـها مع تسميته لها بلفظ البدع ؛ و استحسانـها من حيث دخولـها تحت القواعد ، و لما بني على اعتماد تلك القواعد استوت عنده مع الأعمال الداخلة تحت النصوص المعينة ، و صار من القائلين بالمصالح المرسلة و سماها بدعاً في اللفظ كما سمى عمر الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة ، و كما سيأتي إن شاء الله .
أما القرافي فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه و على غير مراد العلماء لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم فصار مخالفاً للإجماع )) .
ثم قال أبو إسحاق : (( و أما قسم المندوب فليس من البدع بحال و تبيين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثل لها بصلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد ، فقد قام بـها رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد و اجتمع الناس خلفه .
فخرجه أبو داود عن أبي ذر قال : (( ضمنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم رمضان فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى ذهب ثلث الليل ، فلما كانت السادسة لم يقم بنا ، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل ، فقلنا : يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسب له قيام الليل )) قال : فلما كانت الرابعة لم يقم فلما كانت الثالثة جمع أهله و نساءه و الناس ، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قلت : و ما الفلاح ! قال : السحور ، ثم لم يقم بنا بقية الشهر )) و نحوه في الترمذي و قال فيه حسن صحيح . لكنه صلى الله عليه و سلم لما خاف افتراضه على الأمة أمسك عن ذلك . ففي الصحيح عن عائشة : (( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ثم صلى القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا الليلة الثالثة و الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما أصبح قال : (( قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن يفرض عليكم )) و ذلك في رمضان )) . و خرجه مالك في الموطأ .
فتأملوا ! ففي هذا الحديث ما يدل على أنـها سنة ، فإن قيامه أولاً بـهم دليل على صحة القيام في المسجد في رمضان ، و امتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقاً ، لأن زمانه كان زمان تشريع و وحي ، فيمكن أن يوحى إليه إذا عمل به الناس الإلزام ، فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله صلى الله عليه و سلم رجع الأمر إلى أصله و قد ثبت الجواز فلا ناسخ له ، و إنما لم يقم بذلك أبو بكر لأحد أمرين ، إما لأنه رأى قيام الناس آخر الليل و ما هم به عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل ، ذكره الطرطوشي ، و إما لضيق زمانه عن النظر في هذه الفروع ، مع شغله بأهل الردة و غير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح .
فلما تمهد الإسلام في زمان عمر و رأى الناس في المسجد أوزاعاً كما جاء في الخبر قال : لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل ، فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل ، و لقد اتفق السلف على صحة ذلك و إقراره ، و الأمة لا تجمع على ضلالة ، و قد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي .
فإن قيل : فقد سماها عمر بدعة و حسنها بقوله : (( نعمت البدعة هذه )) و إذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع .
فالجواب : إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله صلى الله عليه و سلم و اتفق أنـها لم تقع في زمن أبي بكر ، لا لأنـها بدعة حقيقية فمن سماها بدعة بـهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي ، و عند ذلك لا يجوز أن يستدل بـها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم عنه ، لأنه نوع من تحريف الكلام عن مواضعه ، فقد قالت عائشة : (( إن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ليدع العمل و هو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم )) )) .
ثم قال أبو إسحاق في القسم الخامس و هو المباح : (( و ذكر في قسم المباح مسألة المناخل و ليست في الحقيقة من البدع ، بل هي من باب التنعم ، و لا يقال فيمن تنعم بمباح إنه قد ابتدع )) .
و في حاشية الاعتصام قال بعض العلماء : (( البدعة اللغوية تعتريها الأحكام الخمسة ، و تنقسم إلى حسنة و سيئة ، و أما البدعة الشرعية فلا تكون إلا سيئة )) .
قال محمد تقي الدين : و العجب من القرافي كيف نقل إجماع المالكية و غيرهم من أئمة السلف على أن البدعة كلها ضلالة ثم خرق إجماعهم و استحسن بعضها ، و قد رأيت الرد المفحم الذي رد به الإمام الشاطبي و أزيد ذلك وضوحاً فأقول : قال الشاطبي في الاعتصام : (( قال مالك رحمه الله : (( من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه و سلم خان الرسالة لأن الله يقول : ] اليوم أكملت لكم دينكم [(
[1]) و ما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم دينا )) )) .
و هذا الكلام المحكم يقطع دابر المبتدعين فقد تضمن الاحتجاج بالكتاب و السنة و الإجماع ، أما الكتاب فكما قال مالك رحمه الله : لم ينتقل الرسول الكريم من هذه الدار الفانية حتى أكمل الله الدين و بلغه الرسول البلاغ المبين ، فمن استحسن شيئاً من البدع فإما يزعم أن النبي صلى الله عليه و سلم انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يكمل الله الدين و يتم النعمة أو يزعم أن النبي صلى الله عليه و سلم خان الرسالة بكتمان بعض ما أمر بتبليغه ، مع أنه لو زعم ذلك واقعاً لا ينفعه زعمه .
أما الأول : فإذا لم يكمل الله الدين فمن ذا الذي يكمله ؟
قال تعالى : ] فماذا بعد الحق إلا الضلال [(
[2]) و كل شيء من الدين ليس من الله فهو من الشيطان ، و لا يدين به إلا من يعبد الشيطان . قال تعالى في سورة يس : ] ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين و أن اعبدوني هذا صراط مستقيم و لقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون [([3]).
أما الثاني : فمن زعم أن محمداً صلى الله عليه و سلم كتم شيئاً أمره الله بتبليغه فهو كافر إجماعاً . و إذا كتم الرسول صلى الله عليه و سلم شيئاً من الدين ، حاشاه من ذلك ، فمن ذا الذي يستطيع أن يتلقى وحياً و يبلغه بعده ، و قد ختم الله الرسالة به صلوات الله و سلامه عليه ، و هكذا تدحض حجة المبتدعين ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين .
و قد بدا لي أن أرد على القرافي و من تبعه بطريقتي الخاصة فأقول : زعمه أن جمع القرآن بدعة واجبة باطل لأنه كان مجموعاً في زمان النبي صلى الله عليه و سلم في العسب و اللخاف ، أي الحجارة البيض المصفحة ، و في صدور الرجال ، و كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا نزلت عليه الآية و الآيات دعا أحد كتاب الوحي فأمره أن يكتبها في موضعها ، فلما توفي صلوات الله و سلامه عليه بقي القرآن مجموعاً في بيت عائشة ، فأخذه أبو بكر الصديق منها ، و أمر بجمعه في كتاب واحد . و لا فرق بين الجمعين و لا بين الكتابين فأين الإحداث و أين الابتداع ؟ .
أما الشاطبي فجعل هذا من المصالح المرسلة التي فهمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من نصوص القرآن و السنة ، و لو فرضنا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم برئاسة أبي بكر الصديق أحدثوا في الدين أمراً – و حاشاهم من ذلك – فهل يستطيع المبتدع أن يبعثهم من مراقدهم و يأمرهم أن يجمعوا على بدعته حتى يتم له الاحتجاج ؟ أم يريد أن يقيس برأيه الفاسد بدعه الخبيثة على ما فعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فيقال له : بفيك الحصى و الجنادل(
[4]) . إن القياس لا يكون إلا على أمر ثبت بنص من نصوص الكتاب و السنة ، و نصوصها كلها تغبر في وجهك ، و لا يقيس إلا مجتهد و أنت مقلد أعمى ، بل بـهيمة تقاد ، كما تقدم من كلام أبي عمر بن عبد البر .
أما تمثيلهم للقسم الثاني ، و هو المحرم بأخذ المكوس فهو عجيب ، لأن البدعة هي أن يتقرب المبتدع إلى الله بزعمه بأمر محدث حقيقة أو شكلاً ، و لم يوجد أحد في الإسلام ، و إن كان أجهل الجاهلين و أظلم الظالمين ، يدعي أن الغصب و أخذ المكوس قربة إلى الله ، كيف و هو محرم بالنصوص القاطعة و هو من أكبر الكبائر بالإجماع ، فهذا يكون الإفلاس .
أما تمثيلهم للثالث بصلاة التراويح ، فقد أثبت الشاطبي أنـها سنة فعلها النبي صلى الله عليه و سلم ثم تركها خوف أن تفرض ، فلما توفي و تم التشريع جمع عمر الناس على قارئ واحد ، و تسمية ذلك بدعة هي تسمية لغوية و يقال فيه ما تقدم من نفي القياس و يزاد عليه أن القياس لا يكون في العبادات أصلاً كما حققه الإمام الشاطبي ، و برهان ذلك حديث عائشة في الصحيحين مرفوعاً : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) فدخل في ذلك البدع الحقيقية ، كالتقرب إلى الله بالرقص ، و قرع الطبول و نحو ذلك ، و البدع الإضافية كالاجتماع على الذكر بلسان واحد ، و قراءة القرآن كذلك ، و ما أشبه ذلك و هو كثير .
و تمثيلهم للرابع بتخصيص الأيام الفاضلة بعبادة من أوضح ما دلت عليه النصوص فهو بدعة إضافية .
و تمثيلهم للخامس باتخاذ المناخل ، فهو عجيب أيضاً إذ لا ينوي أحد التقرب إلى الله تعالى بطحن الحب و لا بنخله و خبزه و لا أكله ، و إنما ذلك أمر أباحه الله فمن شاء أن يأكله منخولاً أو غير منخول فلا حرج في ذلك .
قال تعالى في سورة الأعراف : ] قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة [(
[5]) و في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم لما قدم المدينة وجدهم يلقحون النخل فقال : (( ما هذا ؟ )) فقالوا شيء نأخذه من الذكر و نجعله في الأنثى يصلح عليه التمر فقال : (( ما أراه ينفع )) ، فتركوا التلقيح ففسد التمر و صار شيصاً فأخبروه بذلك فقال : (( إذا حدثتكم عن الله فخذوا به فإني لا أكذب على الله ، و أنتم أعلم بأمور دنياكم )) أو كما قال عليه الصلاة و السلام فأمور الدنيا ليست فيها بدعة .
(( و عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( إن الله فرض فرائض فلا تعتدوا ، و حد حدوداً فلا تقربوها ، و حرم أشياء فلا تنتهكوها ، و سكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها )) . حديث حسن رواه الدارقطني )) انتهى من كتاب الأربعين للنووي .
و أخرج البزار في مسنده و الحاكم من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، و ما حرم فهو حرام ، و ما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً . ثم تلا هذه الآية : ] و ما كان ربك نسيا[(
[6]) و قال الحاكم صحيح الإسناد . و قال البزار إسناده صالح .
قال محمد تقي الدين : لو أن المبتدعين تأملوا هذا الحديث و أخلصوا لله لم يبتدعوا في دين الله ، و لكن طبع الله على قلوبـهم و أصمهم و أعمى أبصارهم . و المقصود هنا أن كل شيء لم ينص الكتاب و السنة على تحريمه و لا على تحليله فقد عفا الله عنه و هو مباح لأن الله لا ينسى شيئاً و رسوله صلى الله عليه و سلم لا يكتم شيئاً

0 Comments:

Post a Comment

<< Home